أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
63
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يجوز أن ينتصب بيحذّركم المتأخرة . قال ابن الأنباري : « لأنه لا يجوز أن يكون » اليوم منصوبا بيحذركم المذكور في هذه الآية ، لأنّ واو النسق لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ، وعلى ما ذكره أبو إسحاق يكون ما بين الظرف وناصبه معترضا ، وهو كلام طويل ، والفصل بمثله مستبعد ، هذا من جهة الصناعة ، وأما من جهة المعنى فلا يصحّ ، لأن التخويف موجود ، واليوم موعود فكيف يتلاقيان » . الثالث : أن يكون بالمصير ، وإليه نحا الزجاج أيضا وابن الأنباري ومكي ، وغيرهم ، وهذا ضعيف على قواعد البصريين ، للزوم الفصل بين المصدر ومعموله بكلام طويل ، وقد يقال : إنّ جمل الاعتراض لا نبالي بها فاصلة ، وهذا من ذاك . الرابع : أن ينتصب ب « اذكر » مقدرا مفعولا به لا ظرفا . وقدّر الطبري الناصب له « اتقوا » وفي التقدير ما فيه من كونه على خلاف الأصل مع الاستغناء عنه . الخامس : أنّ العامل فيه ذلك المضاف المقدّر قبل « نَفْسَهُ » أي : يحذركم اللّه عقاب نفسه يوم تجد ، فالعامل فيه « عقاب » لا « يُحَذِّرُكُمُ » ، قاله أبو البقاء . وفي قوله « لا يحذّركم » فرار ممّا أوردته على أبي إسحاق كما تقدّم تحقيقه . السادس : أنه منصوب بتودّ ، قال الزمخشري : « يوم تجد منصوب بتود ، والضمير في « بينه » لليوم ، أي : يوم القيامة حين تجد كل نفس خيرها وشرّها « حاضرين » تتمنّى لو أنّ بينها وبين ذلك اليوم وهوله أمدا بعيدا » . وهذا الذي ذكره الزمخشري وجه ظاهر لا خفاء بحسنه ، ولكن في هذه المسألة خلاف ضعيف : جمهور البصريين والكوفيين على جوازها ، وذهب الأخفش والفراء إلى منعها ، وضابط هذه المسألة : أنه إذا كان الفاعل ضميرا عائدا على شيء متصل بمعمول الفعل نحو : « ثوبي أخويك يلبسان » فالفاعل هو الألف ، وهو ضمير عائد على « أخويك » المتصلين بمفعول يلبسان ، ومثله : « غلام هند ضربت » ففاعل « ضربت » ضمير عائد على « هند » المتصلة بغلام المنصوب بضربت والآية من هذا القبيل : فإن فاعل « تودّ » ضمير عائد على « نفس » المتصلة بيوم لأنها في جملة ، أضيف الظرف إلى تلك الجملة ، والظرف منصوب بتودّ ، والتقدير : يوم وجدان كلّ نفس خيرها وشرّها محضرين تودّ كذا . احتج الجمهور على الجواز بالسماع وهو قول الشاعر : 1234 - أجل المرء يستحثّ ولا يد * ري إذا يبتغي حصول الأماني « 1 » ففاعل « يستحثّ » ضمير عائد على « المرء » المتصل ب « أجل » المنصوب ب « يستحثّ » . واحتج المانعون بأنّ المعمول فضله يجوز الاستغناء عنه ، وعود الضمير عليه في هذه المسائل يقتضي لزوم ذكره فيتنافى هذان السببان ، ولذلك أجمع على منع : « زيدا ضرب » و « زيدا ظنّ قائما » أي : ضرب نفسه وظنها ، وهو دليل واضح للمانع لولا ما يردّه من السماع كما أنشدتك البيت آنفا . وفي الفرق بين « غلام زيد ضرب » وبين « زيدا ضرب » حيث جاز الأول وامتنع الثاني بمقتضى العلة المذكورة غموض وعسر ليس هذا محلّ ذكره . قوله : تَجِدُ يجوز أن تكون المتعدية لواحد بمعنى تصيب ، ويكون « مُحْضَراً » على هذا منصوبا على الحال ، وهذا هو الظاهر ، ويجوز أن تكون علمية ، فتتعدّى لاثنين أولهما « ما عَمِلَتْ » .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط 2 / 427 .